قبل أن أعود إلى قضايا
النازحين خصوصا والفلسطينيين عموما بودي أن يعلم القارئ أنني تركت الأردن وكل شيء
في الأردن السياسة أول شيء في العام التالي الذي تم فيه هذا اللقاء الكبير مع
الملك الحسين، العام 1966، لأسباب عدة أهمها ما طرأ على الساحة السياسية من تغيير كبير
بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية تغيير جرف كل شيء وجرفني معه كمشروع سياسي متمثل
بالزحف المقدس وكمشروع إنساني واجتماعي وقد غدت المخيمات أو أنها ستغدو بؤرا للعمل
الفدائي التي لولا صمودها على
يديّ وأيدي كل الشرفاء من أبناء فلسطين في محنتها لما كان لها ما كان، وحاول النظام أن يستغل مشروعي السلمي في تلك الظروف لصالحة مثلما استغل كل
تحركاتي الوطنية الداخلية والعروبية، لكن الأحداث كانت أقوى منه، وشخصيا لم اشأ أن
ألعب إلا الدور الذي يمثل قناعاتي السياسية والوطنية، رغم أني كنت على مرمى حجر من
التربع على المنصب الثاني في البلاد، أضف إلى ذلك من الناحية التعليمية والعلمية،
دخلت نابلس في العصر الجامعي، فتحولت بعض مدارس الروضة إلى جامعات بينما مدرستي
الخاصة بقيت على حالها لعلاقتي السيئة مع أصحاب البنوك من العائلات وقد ذكرت
الأسباب في صفحاتي السابقة، كل هذا دفعني إلى مغادرة نابلس للعمل قرب أبنائي الذين
سبقوني في الجزائر، هذا ما أردت أن يعلمه القارئ. والآن أعود إلى تأريخ مرحلتي
واقول إن وكالة الغوث اتخذت قرارا بإعطاء نفسها حق قطع المواد الغذائية عن الأسر
التي يعمل أحد أفرادها سواء في جهاز إدارة الوكالة أو في أي دائرة من دوائر الدولة
بحجة أن للأسر دخلا يمكنها أن تعيش منه دون مساعدة الوكالة، وأعطت مدراء المناطق
حق البحث والتحري عن الأفراد الذين يعملون حتى ولو كانوا خارج الأردن، في
السعودية، في الكويت مثلا. هذا الإجراء أثار بلبلة بين اللاجئين حيث أوقف مدراء
المناطق الشيء الكثير من بطاقات التموين، عندئذ دعوت بعض الإخوة من نازحي المدينة
والمخيمات القريبة، وعرضت عليهم الأحداث المستجدة، وبعد نقاش لم يدم طويلا اقترح
المجتمعون أن أذهب إلى عمان، وأعرض الأمر على رئيس الوزراء في ذلك الوقت السيد
هزاع المجالي، ونزولا على رغبة الإخوة المجتمعين سافرت إلى عمان في الوقت الذي
حدده الرئيس هزاع، وحين وصولي إلى مكتب رئيس الوزراء وجدت جمعا من شيوخ القبائل من
حاملي السيوف ينتظرون خروج زائر أجنبي كان في مكتب هزاع المجالي، ولما خرج لتوديعه
هذا الأخير ورآني أخذني من يدي وأدخلني إلى مكتبه من أمامه ولدهشة شيوخ القبائل
وهم يرون استقبال الرئيس هزاع لي ذاك الاستقبال الحار تركوا الزائر الأجنبي
وأحاطوا بي وكأني نبي سقط بينهم. وخلال مكوثي أمام الأخ هزاع طلب من رئيس ديوانه
دعوة رجال الصحافة والمصورين، وفي اليوم التالي نشرت الصحف صورنا والحديث الذي دار
بيني وبينه، وكانت الإذاعة قد أذاعت بالتفصيل فحوى المقابلة والطلبات التي قدمتها
باسم لاجئي منطقة نابلس إلى رئيس الوزراء، وقد كانت نتيجة مقابلتي للسيد رئيس
الوزراء أن طلبت الحكومة من مدير وكالة الغوث عدم ملاحقة الغائبين لسبب أن أعدادا
كثيرة منهم لم تجد العمل الذي سعوا إليه في مختلف البلاد العربية. كان هزاع ذكيا،
لأنه عرف كيف يحول كل شيء لصالحه، وأنا كنت أذكى، لأني عرفت كيف أحول كل شيء لصالح
الفلسطينيين...